ابن كثير
359
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
القاتل من غير ضرر ولا معك « 1 » يعني المدافعة ، وروى الحاكم من حديث سفيان عن عمرو ، عن مجاهد ، عن ابن عباس : ويؤدي المطلوب بإحسان . وكذا قال سعيد بن جبير وأبو الشعثاء جابر بن زيد والحسن وقتادة وعطاء الخراساني والربيع بن أنس والسدي ومقاتل بن حيان . [ مسألة ] قال مالك رحمه اللّه في رواية ابن القاسم عنه وهو المشهور ، وأبو حنيفة وأصحابه ، والشافعي وأحمد في أحد قوليه : ليس لولي الدم أن يعفو على الدية إلا برضا القاتل . وقال الباقون : له أن يعفو عليها وإن لم يرض . [ مسألة ] وذهب طائفة من السلف إلى أنه ليس للنساء عفو ، منهم الحسن وقتادة والزهري وابن شبرمة والليث والأوزاعي ، وخالفهم الباقون . وقوله : ذلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ يقول تعالى : إنما شرع لكم أخذ الدية في العمد تخفيفا من اللّه عليكم ورحمة بكم مما كان محتوما على الأمم قبلكم من القتل أو العفو ، كما قال سعيد بن منصور : حدثنا سفيان عن عمرو بن دينار ، أخبرني مجاهد عن ابن عباس قال : كتب على بني إسرائيل القصاص في القتلى ، ولم يكن فيهم العفو ، فقال اللّه لهذه الأمة كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى ، فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فالعفو أن يقبل الدية في العمد وقد رواه غير واحد عن عمرو ، وأخرجه ابن حبان في صحيحه عن عمرو بن دينار ، ورواه جماعة عن مجاهد عن ابن عباس بنحوه . وقال قتادة ذلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ رحم اللّه هذه الأمة وأطعمهم الدية ولم تحل لأحد قبلهم فكان أهل التوراة : إنما هو القصاص وعفو ليس بينهم أرش ، وكان أهل الإنجيل : إنما هو عفو أمروا به وجعل لهذه الأمة القصاص والعفو والأرش « 2 » ، وهكذا روي عن سعيد بن جبير ومقاتل بن حيان والربيع بن أنس نحو هذا . وقوله فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ يقول تعالى : فمن قتل بعد أخذ الدية أو قبولها ، فله عذاب من اللّه أليم موجع شديد ، وهكذا روي عن ابن عباس ومجاهد وعطاء وعكرمة والحسن وقتادة والربيع بن أنس والسدي ومقاتل بن حيان أنه هو الذي يقتل بعد أخذ الدية ، كما قال محمد بن إسحاق عن الحارث بن فضيل ، عن سفيان بن أبي العوجاء ، عن أبي شريح الخزاعي ، أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « من أصيب بقتل أو خبل « 3 » فإنه يختار إحدى ثلاث : إما أن يقتص ، وإما أن يعفو ، وإما أن يأخذ الدية ، فإن أراد الرابعة ، فخذوا على يديه ، ومن اعتدى بعد ذلك فله نار جهنم خالدا فيها » رواه أحمد « 4 » ، وقال سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن الحسن عن
--> ( 1 ) معكه : بالقتال والخصومة . لواه ، ومعكه في دينه : مطله به . ( 2 ) الأرش : دية الجراحة . وما يستردّ من ثمن المبيع إذا ظهر فيه عيب . ( 3 ) الخبل : الجراح ، كما في رواية المسند . ( 4 ) المسند ( ج 4 ص 31 )